فخر الدين الرازي
229
تفسير الرازي
وإبليس الذي لم يسجد هو القوة الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل ، والكلام فيه طويل . وأما بقية المسائل وهي : كيفية سجود الملائكة لآدم ، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم لا ، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ، وأنه هل كان كافراً ، أصلياً أم لا ، فكل ذلك تقدم في سورة البقرة وغيرها . المسألة الرابعة : احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى : * ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) * في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به . واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأجزاء والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتاً جارياً مجرى الإلزامات الظاهرة فالأول : أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله : * ( كل شيء هالك إلا وجهه ) * ( القصص : 88 ) ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيوناً كثيرة لقوله : * ( تجري بأعيننا ) * ( القمر : 14 ) وأن يثبت جنباً واحداً لقوله تعالى : * ( يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) * ( الزمر : 56 ) وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى : * ( مما عملت أيدينا ) * ( يس : 71 ) وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم : " الحجر الأسود يمين الله في الأرض " وأن يثبت له ساقاً واحداً لقوله تعالى : * ( يوم يكشف عن ساق ) * ( القلم : 42 ) فيكون الحاصل من هذه الصورة ، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد ، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ، ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة . وأما القسم الثاني : وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن ، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات ، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل . الحجة الثانية : في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى ، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى ، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين ، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً . الحجة الثالثة : أنه في ذاته سبحانه وتعالى ، إما أن يكون جسماً صلباً لا ينغمز البتة ، فيكون حجراً صلباً ، وإما أن يكون قابلاً للانغماز ، فيكون ليناً قابلاً للتفرق والتمزق . وتعالى الله عن ذلك . الحجة الرابعة : أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان كالزمن المعقد العاجز ، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان محلاً للتغيرات ، فدخل تحت قوله : * ( لا أحب الآفلين ) * ( الأنعام : 76 ) .